topleft
topright
آخر التعليقات
آخر مشاركات المنتديات
الصفحة الرئيسية arrow أدب وثقافة وفن arrow الطريق إلى مقابر الأجداد / 2
الطريق إلى مقابر الأجداد / 2 إطبع المقال ارسل عنوان هذه الصفحة لصديق

 

الطريق إلى مقابر الأجداد

 

2

 

 

ebrahim_badal.jpg

 

إبراهيم بادل

 

 

*   بدايات العـقـد الثاني من القرن العشـرين ، والآشوريين ـ الحليف الأصغـرـ في الحـرب الكونية الأولى ، والخاسر الأكبـر :

 

إذا كان الشعـب الآشوري في مطلع القرن العشرين ــ الذي مضى منذ عـقـد من الزمن تقريبا ــ قـد ربط مصيره بالحلفاء كغيره من شعوب منطقة الشرق الأوسط فلأنه كان يطمح إلى تحقيق استقلاله القومي كحق تاريخي وشرعي ، ولأنه وثق بالوعود التي قطعها له الانكليز باسـم الحلفاء بعـد أن وضعه هؤلاء في حالة ( اللاخيار ) " عـملا بسياسة الغاية تبرر الواسطة " فوجـد نفسه مجبرا على خوض غـمار مضمار أكبر من حجمه ، المضمار الذي كلفه عشرات ألآلاف من الشهداء وخسارة موطنه ودياره والعيش في حالة من التشرد والتشتت والضياع .

 

* هـذه الوثيقة النادرة والفريدة التي نقرأها الآن ثبتها شهود عـيان ومنهم " هنري لايارد " الذي تعدت شهرته مسقط رأسه كعالم آثار من الطراز الأول في صدقه وواقعيته .. لكي يقف أبناء شعبنا الآشوري اليوم على صور تلك الأحداث الأليمة والمأساوية المريعة التي تعرض لها أبناء هـذه الأمة العريقة خلال مسيرتها الطويلة والشاقة .. والأسباب التي أوصلتها إلى ما هي فيه اليوم من أوضاع سياسية واجتماعية وثقافية وحياتية صعبة ومتخاذلة ومنحطة !.

 

*   عـظمة الآثار الآشورية وروعة سحـرها الأخاذ :

 

على الضفة الثانية لنهر دجلة .. في ( تل قوينجق ) عاين لايارد ، ولأول مرة الآثار الآشورية التي سحرته وجذبته بقوة غريبة لم يشعر بمثـلها ، حتى عندما شاهد المعابد والمسارح الإغريقية والايطالية . في الموصل يتعرّف لايارد على نائب القنصل البريطاني ( كريستيان رسام ) وهو آشوري من سكان المنطقة ، مكتسبا كامل ثقته ودعـمه ..إذ يغـدو أخوه ( هرمز رسام ) .. رفيقا مخلصا ومساعـدا دائما للايارد . مما جعله أن يتوجه على رأس مجموعة كبيرة إلى ( نمرود ـ كالخو ) .. إحدى العواصم الآشورية .. وقـلعة شرقاط ( آشور القـديمة ) .

 

*   تعرف لايارد خلال مهـماته على الوضع السياسي السائد بين شعـوب وقـبائل ( بلاد ما بين النهرين ) .. وبلاد فارس . بدأ يفهم اللغات واللهجات المحلية ، وجمع مواد غنية لأبحاثه المستقبلية . بعـد فترة قصيرة وظفته السفارة البريطانية في ، ( القسطنطينية ـ استانبول ) .. لمدة ثلاث سنوات ، مستخـدمة إياه في مهـمات خاصة . في هـذه الفترة بدأت تنتشر أخبار تنقيبات " أميل بوتا " نائب القنصل الفرنسي في الموصل ، واكتشافاته الأولى للآثار الآشورية القـديمة .

 

*   تمكن لايارد من إقـناع السفير البريطاني في القسطنطينية بأهـمية المباشرة بالتنقيبات عن الآثار الآشورية ، طبعا من وجهة نظر إستراتيجية الإمبراطورية العـظمى . وافق السفير على تغطية التكاليف من حسابه الخاص . وعلى أثره توجه لايارد في تشرين الأول سنة 1845 إلى( نمرود) ، واعتبارا من هـذا التاريخ بدأ بتدوين كتابه الذي سرد فـيه بالتفصيل وبأسلوب جـذاب يومياته ، باحثا عن الآثار الآشورية في نمرود . أما عن هـدف زيارته للمناطق الآشورية فـيقـول : ( أجبرتني أحوالي الصحية ) من جـديد للبحث عن مكان بارد .. ومنعش لأستريح فـيه هربا من الحرارة العالية ، فـقررت التوجه إلى الجبال الآشورية العـصية .. منطقة العشائر التيارية  .

 

*   خورسباد .. في كتابات أقـدم الجغـرافـيين العـرب :

 

يقول أوستن هـنري لايارد : ( رغبتي الشديدة لمشاهـدة أعـمال التنقيبات الفرنسية في ـ خور سباد ـ التي كانت تشدني بقوة خلال الرحلة في الجبال ، جعلتني انطلق من الموصل ظهرا بغض النظر عن الحر الجهنمي السائد . استغليت هـذه الفترة للخروج من المدينة حيث قطعـت النهر عن طريق الجسر العائم تاركا الخدم المحملين بالحقائب والبضاعة للاستمرار بتأن في السير . كانت مجموعـتنا صغيرة هـذه المرة ، رافقاني إلى جانب الخادم ودليلنا ( يوحنان أو يوننكو ) المسئول عن الخيول . ( هـرمز رسام ) والجندرمة التركي  إبراهيم آغا . وكان على اثنين من الدرك ـ وهـما ألبانيا الأصل ـ القيام بحراستي حتى " العـمادية " ) .

 

( كما نلاحظ كانت الحكومة التركية العثمانية آنذاك تستخدم ما يمكن أن نسميه اليوم " بالمرتزقة " من أقـوام غريبة استعمرتها ، وذلك لاستغلالهم ضد شعوب المنطقة ، عـند الحاجة ، اختيار الغريب عـن السكان الأصليين المحليين كان أسلوبا يدل على اضطهاد مضاعف ( لشعبنا الآشوري ) .. " إلى جانب السلب والنهب " من قبل الحكام العثمانيين . فكانت للشرطي أو الدركي امتيازات وحقوق بلا حدود في تصرفاته ومعاملته للآخرين ) . ويضيف هنري لايارد قائلا : أما أنا فانطلقت مع الألبانيين إلى الأمام لأحط قـدماي بعـد ساعـتين في خورسباد .

 

*   تقع هـذه الخربة الأثرية على مسافة / 22 كم / إلى الشمال الشرقي من الموصل . ورد ذكر خورسباد ، في كتابات أقـدم الجغرافيين العـرب ، قالوا في وصفهم : " إنها قرية واقعة في المكان الذي كانت توجـد فـيه قـديما حـديقة آشورية معروفة بـ:(سارون ) . يقول ياقوت الحموي .. بأن الفاتحين العرب عثروا هـنا على كنوز كبيرة . ولهـذا السبب كان يسود في الموصل رأي بأن هـذه المعلومات جعلت ـ بوتا ـ عالم الآثار أن يأمر بحفر التلال الواقعة هـنا ، أملا منه في العثور على كنوز ذهبية . وكان هـذا سبب العراقـيل التي تضعها السلطات أمامه .

 

  يذكر أوستن هنري لايارد  قائلا : في الوقت الذي أنهيت فـيه مشاهـدة الحفريات في خورسباد ، وصلت مجموعتي إلى القرية . مع الفجر تابعنا سيرنا إلى ( العـمادية ) ، ولكن من جديد كان عليّ أن أشاهـد قرية رابضة على قـمة جبل شاهـق أسمها ( بيبوزي ).. أهـلها آشوريين كلدان . بصعوبة قطعـت خيولنا الطريق الوعر الذي يؤدي إليها . فيها عشرة بيوت مطلة على واد عـميق ، وكأنها معـلقة . سكانها فقراء ، ولكنهم رحبوا بنا بضيافة حقيقية . أنهم من ( الآشوريين .. ن ) الذين أجبروا من جديد على اعتناق المذهـب الكاثوليكي . زرت كنيسة القرية الصغيرة . شاهـدت على الجدران بعض الصور للقديسين والعذراء بألوان بشعة مع كتابة لاتينية تحتها لا تناسب هـذا المكان . سألتهم : هل تعرفون ماذا تعني هـذه الصور ؟. أجابوني / لا / ، واستطردوا: بعد انتقال كاهـننا إلى الاخـدار السماوية .. قـدم إلينا المطران يوسف الكاثوليكي ، وهـو الذي علقها وطلب منا أن نركع أمامها . أما نحن قمنا بنزعها من على جدران كنيستنا . وكان رد ( محمود أغا ، كبير الأكراد الميزوريين ) ، أن جمع مخاتيرنا وأمر بضربهم حتى كسرت العصي على أقـدامهـم ، وبعـدها ضربونا نحـن أيضا . ولهـذا تركنا هـذه الصور كما علقها الكاهن الكاثوليكي ، وبما أن الأغا الكردي قـد باع نفسه لقاء منعه لأي كاهـن آشوري من الاقـتراب للقرية ، لهـذا نحـن مجبرون أن نسمع وعـظ المطران الكاثوليكي الذي من فترة لأخرى يأتي إلى القرية تحت حماية الأكراد المسلحين  .

 

*   الآشوريون .. شعب تحّمل كل أنواع التسلط والاضطهاد والإبادة الجماعـية ، ولكنه ما زال وسيبقى حيا أبـدا  :        

 

يضيف لايارد :  قصدت أحـد البيوت الذي توقـفـت فـيه لأنام . أما ( يوحنان ـ يوننكو ) ، وهـو أحـد مجموعـتنا .. فـقـد دخل في نقاش ديني مع بعض " المهتدين " الذين قـدموا من القرى المجاورة . سحبت معطفي على رأسي وتظاهرت بأنني نائم ، وبعـد وقـت وقـد أثقل النعاس جفوني وغافلني النوم . ولولا استيقاظي الفجائي وتـدخلي لكان البيت قـد تحول إلى ساحة معركة حـقيـقية . فـنهضت حالا وأمرت يوننكو أن يحّضر ويجهز الخيول . قطعنا سلسلة جبلية مغطاة بغابة من أشجار البلوط . عـند الغروب وصلنا إلى قرية تدعى (سبانـدارا) . يبدو أن هـيبة مجموعـتنا قـد جعلت سكانها الأكراد في قـلق وخوف وحيرة . لم يقترب أي منهم للترحيب بنا ، وقـد أفـهـمـناهـم بعـد عـدة محاولات ، بأن ـ اجتياحنا ـ للقرية لا يحمل طابعا عـدائيا .* يفـصلنا عن " العمادية " سطح جبلي مشجر بكثافة يدعى ( الغار ) ، اخترنا مسارا ضيقا شديد الانحدار، بصعـوبة كبيرة تزحف خيولنا نحو الأمام . في غمضة عين تلاشى أحد الخيول ، مباشرة هرعنا للبحث عنه ، وأخيرا وجدناه مطروحا في هوة عميقة . كيف تدحرج إلى هناك ، وما هو السّر في بقائه حيا لا أحد يعرف .

 

في العمادية هرع إلي بعض الآشوريين الكلدان ، يشكون بمختلف الأساليب من ظروفهم الحياتية . ومن ثم حضرـ القاشا ماندي ـ خوري الكلدانيين الذي يقوم بتقـديم الخدمات الدينية لنصف القرى الواقعة في السهل. عندما سمع بوصولنا حالا جاء ليرحب بنا وليشرفنا برفـقته . وبدا ذو اطلاع واسع على كل شيء وبفضله حصلت على معلومات وافية عن أوضاع الآشوريين الكلدان في هذه الناحية . وأخبرني ألخوري بأنه يمكنني من هنا أن أتوجه إلى الجبال الآشورية ـ منطقة العشائر التيارية ـ ولكن بدون الحراس الألبانيين ، لأن النفوذ الإداري لمحافظة الموصل ينتهي في ( العمادية ) . قـررت إذن ترك الخيـول تحت حراسة الألبانيين وأمرتهما أن يقوداها إلى ( نوهدرا ـ دهوك ) .. والانتظار هناك حتى عودتي . وبدلا عنها قمت بتأجير بعض البغال . بعـد ساعة من السير عبر المسالك الجبلية تراءت أمامنا الجبال الآشورية العـصية وقرى منطقة العشائر التيارية . عندما عاينها " يوننكو " أطلق العنان للسانه وبدأ يعـدد أسماء كل القمم الجبلية ، الواحدة تلو الأخرى . كانت البعض منها ، وخاصة قمة ( آشيثا ) ، مغطاة بالثلـوج . أمامنا سهل برواري الذي يفصل العمادية عن منطقة ( الآشوريين .. أبناء كنيسة المشرق ) ، وعند سفح الجبل تـقع قرية " ماغلانة " يسكنها الأكراد ، والى جانبها توجد قـرية آشورية مكونة من أربعة بيوت تدعى ـ هاجيسة ـ وصلناها عند الغروب . بدا أهـلها في منتهى الفـقر . وجبة العشاء التي قدموها لنا كانت تتألف من القمح المطبوخ فقط مع بعض التوت المجفف . كان هـذا كل ما يملكونه .

 

*   سهل برواري يأخذ بالألباب ، تكسوه أشجار البلوط .. والعديد من القرى ( الآشورية التي تركها أهـلها وأصحابها ) .. الواقعة هنا هي محاطة بالحدائق والبساتين . مختار هـذه المنطقة هـو ـ كردي ـ متعـصب دينيا ، وتمكن بشكل كامل تقريبا من القضاء على الآشوريين ـ أبناء كنيسة المشرق ـ الذين هم السكان الأصليين للمنطقة ، مازالت بيوتهم الفارغة ماثلة . أما بساتينهم المليئة بشتى الأشجار المثمرة وحقـول التبغ والرز والحبوب . ـ كل شيء ينمو هنا بدون حدود لتوفر المياه وجودة التربة ـ فـقـد استولى عليها الأكراد . ولكن هم أيضا يعيشون في فـقـر لأن زعيمهم ( عبد القادر بك ) .. فرض عليهم بيع كل ما تنتجه هـذه الأرض بأسعار زهيدة جدا .

 

*   سكان قرى هـذه المنطقة هم من الآشوريين ، وبعـضها يسكنها الأكراد أيضا .. وهناك الكثير من القرى الآشورية .. التي بقي فـيها من سكانها بيتين أو ثلاثة أو خمسة بيوت . ولم أعثر هنا على أي رجل ولا كاهـن ـ لأنه كما قيل لي ـ قـد خرجوا للحقول لجمع الغلال . أما النساء فكن جالسات تحت الأشجار يغطسن عناقيد العنب في الماء المغلي لتجفيفها فـيما بعـد في الشمس للحصول على الزبيب . كرم الضيافة لدى هؤلاء الآشوريين .. لمسناه عند كل عائلة وبيت من البيـوت الباقية . مياه الجداول التي تتجمع في السهل تشكل أحد فروع ( نهـر الخابور ) ، وفي فترة الأمطار وفـصل الربيع يرتـفع مستوى المياه التي تغدو قادرة على حمل العوامات والقوارب من برواري إلى نهـر دجلة . وبهذه الطريقة يتم نقل العـديد من الثمار والبضاعة إلى الموصل . ويعـتبر البلوط أهم ما تـنتجه هـذه الأرض الخصبة ، والتي لـو ( بقيّ أصحابها على قيد الحياة ، ولم ُيقتلوا على يد الأكراد ) ، لكان اهتمامهم بأرضهم سيعطي الكثيـر من الخيرات . ولكن الأكراد كسولون للغاية ، وعلاوة على هـذا فهم يحاولون بالكثير من الوسائل شل همّة الآشوريين ...

 

*   تتصف هـذه المنطقة بفـقـدان الأمن . السبب في هـذا هـو ( عبد القادر بك ) الذي ينتهز كل مناسبة ويستغل أي ذريعة ليسفك دم الآشوريين الجبليين الأبرياء . هنا وبأمر منه ، تم بأبشع الوسائل الوحشية القضاء على حياة العديد من الآشوريين .. فـقط لأنهم بعـد نجاتهم من حمامات الدم الأخيرة في (تياري) ، أرادوا العودة إلى قراهم وبيوتهم للالتحاق بزوجاتهم وأطفالهم إن كانوا بعـد أحياء !. أما السفاح المتوحش زين الديـن ـ وهـو من عائلة عبد القادرـ فأنه الأداة الطيعة في يد ( بدرخان ) الطاغي ، المتعطش دائما لسفك دم الآشوريين ( ليس لكونهم مسيحيون فـقـط بل لأنهم مقاتلون أشداء يخشى قـوتهم ) .

 

*   يستطرد أوستن هنري لايارد .. وهـو يكتب عن رحلته هـذه في الجبال الآشورية العـصية : 

 

يقع مقر عبد الصمد على قمة صخرية لجبل عال ، ويشاهـد من كل نقطة من سهـل برواري .إنه معـقل بسيط مبني من الطيـن ، ولكن الأكراد يسمونه " قـلعة كومري " ويعتقدون بأن لا أحد يمكنه احتلاله . بالتأكيد أحيط الرئيس علما باقترابي ، ويبدو أنه تخوف على ـ قـلعته ـ إذ شاهـدته وهـو يهيئ حصانه لينطلق بأقصى سرعته باتجاه السهـل من الجهة الثانية للجبل . ولم ينسى أن يرسل أحد شيـوخ الدين ليخبرني بأن سيده يعتذر على عدم إمكانيته مقابلتنا بسبب أمر هام جعله أن يغادر " الـقلعة " ، ويضيف لايارد : ونظرا لعـدم أهمية زيارة هـذا المكان بالنسبة لي، توجهت مباشرة نحو اليميـن ، مكملا طـريقي . عبرنا قرى كردية مختلفة ، قاصدين قرية ـ مييه ـ التي فيها سنقضي الليل . هناك قريتان تحملان نفس الاسم ، العليا يسكنها الأكراد ، أما السفلى فهي آشورية . عندما وصلنا إلى الأولى جاء رجل كردي ليخبرنا ثانية بأن عبد الصمد بك يعتذر على عدم إمكانية دعوتنا لأنه مشغول بضيف هام ، ولكنه أمـر أن ( يحضّرـ يجهّـز) لنا بيت في القرية الآشورية والتي فـيها يرغـب زيارتنا بعـد الغـداء . بعـد وصـولنا إلى ـ مييه ـ التحتانية لم أصدق ما تشاهـده عينيّ . فإذا بمجموعة مسلحة من الأكراد بأساليب وحشية تعـذب الآشوريين ضـربا بالعصي في أي مكان من الجسم ، وبالقوة يأخذون من البيوت ما يحلو لهم من السجاد والفرش والأواني المنزلية . على الفور فهمت بأن أسلوب ( عبد القادر بك ) وجماعته من الأكراد لا تمت إلى القيم الإنسانية بصلة ، لا بل يمكنني أن اسمي تصرفاتهم شيطانية وخداعة . لأنه بأي حق يفرض هـذا الشخص إرادته على غيره ويجبرهم على استقبالنا ويريد بهـذا أن يظهر أريحيته على حساب الآشوريين الفقراء . والأكثر غرابة في الأمر هو أن ما أخرج من بيـوت الآشورييـن لم يكن مخصصا لراحتنا ، بل لراحة الأكراد الذين سيرافقون عبد القادر خلال زيارته لنا !. بسرعة وصرامة قررت وضع حـد لهـذه المهزلة والكف عن بعثرة أثاث البيـوت وتعـذيب أصحابها وإرجاع كل شيء إلى محله . اخترت أحـد البيـوت المتواضعة لنقضي فيه الليل . عندما تأكد أصحابه بأنني مسيحي مثـلهم ، اهـتموا بنا كل اهـتمام . وبهـذا أبطلت تنفيذ المخطط الشيطاني لعبد الصمد بك .

 

*   أسباب ومبررات وضيعة من قائد كردي في سفك دماء الآشوريين :

 

بعـد غروب الشمس ، ونحـن جالسون ، جاء رسول جديد من قبل عبد الصمد ليعتذر بأن زيارة سيّده لنا قـد تأجلت ليوم الغـد صباحا بسبب الشخصيات الهامة التي نزلت عنده فجأة . منذ البداية فهـمت بأن مغزى هـذا التلاعـب وهـدف عبد الصمد بتوجيه الرسول تلو الآخر ليعتذر ويؤجل اللقاء ، هي رغبته في إظهار لجماعته الأكراد سلطته ومكانته ، وبأنه هو الذي يتحكم ويفرض ويقرر . عندها وللحال ، صحت الرسول الكردي وبصوت عال جدا ، مسموع من قبل كافة الحاضرين ، أمرته أن يبلغ سيّده رأيي فيه الذي صغته واضحا وبغضب . لمحت الارتباك على وجوه الآشورييـن ، أما ـ يوننكوـ فقد وقف شعر رأسه . بينما إبراهيم آغا الذي رافـقني في رحلتي مدحني على هـذه الشجاعة ، وبدوره مسك ذراع الكردي وقال له أن يبلغ سيّده كل كلمة سمعها مني .

 

موقفي هـذا جاء بنتيجة فورية . لم تمض ساعة من الوقت إلا وعبد القادر بك يمتثـل أمامنا . بدأ بالاعتذار الشديد وأقسم بأنه لم يكن على علم بالمستوى الرفـيع للضيف الذي تشرف بـزيارته . و يضيف هنري لايارد قائلا : جلس معي حتى منتصف الليل مقدما المبررات على اضطهاده للآشوريين ، مؤكدا بأن هـذا يجعـل الأكراد أن يعتبرونه قائدا لهم . ( ما يدعـوا إلى السخرية المريرة والأسى المؤلم والمفجع ، أن تكون هـذه المبررات الوضيعة من آغا كردي على حساب دماء وحياة آلاف الآشورييـن ) . ويكمل لايارد كلامه في استغراب : .. وفي اليوم الثاني أرسل لي عبد القادر فطورا مع مجموعة من الخيالة الأكراد الذين كان عليهم مرافـقتي . دخول الأراضي الآشورية من قبلهم فيه مغامرة كبيرة ، ولهـذا فور وصولنا إلى منطـقة ( تياري ) قفلوا راجعين نظرا لحالة الاقـتتال الدائمة بينهـم .

 

طريقنا يؤدي مباشرة إلى ( آشيثا ) . طلبت من المرافقيـن بضرورة التزام الحذر واليقظة  والسكوت ، لأن الآشورييـن الجبليين يختلفون عن بني جنسهم من سكان السهـول . دليلنا يوننكـو يقود مجموعـتنا بثـقة وسهـولة . نتسلـق الجبال الـصخـرية الـوعـرة وخيـولنا تزحـف بأعجـوبة حقـيقية . الجبل يـطل على قـرية ( آشـيثا ) التي ملأت الوادي بكامله ، وهناك الكثير من البيوت الملتصقة بالسفح . تتـراءى أمامنا قمة مسلية شاهقة مغطاة بالثلوج المرئية حتى من الموصل . إلى يميننا واد ينحدر حتى " نهر الزاب الأكبر" ، إنها حقا مناظر خلابة . على الرغم من التعب الذي نشعر به نحن وبغالنا ، بدت عملية نزولنا أسهـل بكثيـر . الحجارة والحصى تتدحرج من تحت أقـدامنا . عندما وصلنا إلى سور القرية أسرعنا باتجاه الرئيس يعقـوب .. أي مختار ـ آشيثا ـ الذي خرج للقائنا . ترحيبه فينا كان قـلبيا وصادقا .

 

 

 .../ يتبع

 


  

(( الطريق إلى مقابر الأجداد )) بحث هام وقيم أعده وكتب فيه الكاتب الآشوري المعروف إبراهيم بادل، ويتشرف خابوركوم بنشر هذه الدراسة على صدر صفحاته وبشكل حلقات مسلسلة. وسوف نقوم بعد الإنتهاء من نشر كافة الحلقات بإعداد البحث على شكل ملف بي دي إف لمن يريد تنزيله والإحتفاظ بنسخة منه. 

 

 


 

  الحلقات السابقة:

 

ـ الطريق إلى مقابر الأجداد / 1

 

 





علق على هذا المقال / الخبر
تعليقات الزوار (2)
كتب التعليق: نينب لاماسو | بتاريخ: 03-12-2009
1. Thank You
Dear Abraham, 
 
Thank you ever so much for your excellent contributions in Khabour.com. I follow all of your writtings and enjoy reading them very much. 
 
I received your most kind letter through Atalla, and I am sorry I have not ha a chance to respond to it. Do please email me your contact number for I would love to call you and converse with you on few matters. 
 
Cordially, 
 
Nineb

كتب التعليق: منير بيرو | بتاريخ: 01-12-2009
2. ( مقاتلون أشداء يخشى قـوتهم ) .
أستاذ أبراهيم 
 
بحث قيم يذكرنا بالتضحيات الجسام التي قدمها أجدادنا الذين وصفهم هنري لايارد : ( مقاتلون أشداء يخشى قوتهم ) . 
 
و هذه الصفة التي لازمت جزءا من أبناء هذه الامة هي التي أبقتها على قيد الحياة بالرغم من هول المجازر التي طالت أعناق أبنائها على مر الدهور . 
 
أما اليوم و قد إتخذ الاطهاد طبعا اخر لا يقل بشاعة عن شكله القديم لأن الهدف واحد و هو محو هذه الامة من الوجود ترهيبا أو ترغيبا على حد سواء و خاصة في هذه الظروف التي لا نجد أيا من أبناء هذه الامة يمكن أن نصفهم بالمقاتلون الاشداء ! كما وصفهم لايارد قبل قرن من الزمان . 
 
شكرا لك و بانتظار الحلقة المقبلة 
 
منير

علق على هذا المقال / الخبر

 
 
Site Design & Development: www.jormedia.com