|
الإخوة المشرفين على موقع الخابور تحية محبة وتقدير:بما أني صمتُ (باعوثا د نينوا يى),وقرأتُ كل من مقالتي الأخ (يكدان نيسان) والأخ (درمو أودا), وحضرت جزءاً من المقابلة التي أجرتها قناة تلفزيون (سورايا (t.v,مع أحد آباء الكنيسة الأفاضل يوم /29/1/10م حول (باعوثا د نينوايى)؛ أراني ملزماً للخوض في هذا الموضوع,تعقيباً على ما ورد حولها, راجياً نشره في موقعكم الأغر , فارتأيتُ أن يكون عنوان مقدمة الموضوع غريباً نوعاً ما وليكن : كالعادة ولِمَ لا فالصوم عموماً ليس إلا تقليد قديم وعادة اجتماعية دينية مستديمة , وصوم النينويين لا يخرج عن هذا الفحوى. ولكن عادتنا هذه ليست كغيرها من العادات, فهي عادة أودت بأمة كانت أُم الحضارة البشرية, وأساس تطوّرها اليوم,ـ انظر كتاب اللوحة الزمنية لتاريخ العالم المصوّر ـ. وكالعادة فأنبياء اليهود من (ابراهيم) التوراتي حتى (صموئيل هنتيغتون) في كتابه(صراع الحضارات)؛ تنبؤوا بما سيحدث, أو بالأصح بما يجب أن يحدث؛ فحدث فعلاً. هذه إيديولوجية أبدية يجب على بني(إسرائيل) أن لا يحيدوا عنها, ودستورهم القديم الحديث هو (التوراة) التي ألبسوها ثوب القدسية . وكعادة المفكرين والباحثين والنُقاد العلمانيين في الدراسة والبحث والنقد؛ رأى البعض منهم في (التوراة) كتاباً, تتراوح أسفاره ما بين الخرافة والأسطورة والحدث التاريخي,ـ كمال صليبي في كتابه خفايا التوراة ـ وهذا ما نراه ينطبق على سفر(يونان) حسب تحليلنا البسيط ومعرفتنا المتواضعة. وكعادة الشُطار الثعالب في ثياب (قيافا)أحفاد كهنة (بل) المضلّين الغارقين في ثوب النصرانية, إذ كانت كهنتنا لخمسة الأجيال الأُولـى من اليهود المتنصرين,ـ انظر كتاب أدي شير تاريخ كلدو وأثور ج2ص8 ـ , فخلفوا تقليدهم إلـى خلفائهم من الببغاوات التي تترنم دون معرفة القصد بحجة, أنه كلام إلهي موحى به إلـى أنبيائه من شعبه المختار, فحققوا آمالهم وأدركوا مبتغاهم وبفضل أؤلئك اليهود المسبيين إلـى آشور والمتنصرين منهم, عملوا جاهدين لنبارك شعب (إسرائيل) ونلعن أنفسنا. فلم يكتفوا بفرض قدسية الإنجيل علينا, ولِمَ لا إنّه بشارة الخلاص...هللويا...آمين؛ فأضافوا عليه كتابهم (التوراة) زيادة في الطين بلة , فأصبح الكتاب بعهديه القديم والجديد مقدساً لنا. وإذا كنا نؤمن بنبوءات التوراة بمجيء الفادي المخلص الذي أُرسل إليهم حسب قوله:" لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة "ـ متى: إص15/24ـ فنحن قد آمنّا به (رباً وإلهاً), لكن ثعالب إسرائيل ظلت في ضلالها, ولم تُؤمن به لأنه لم يُحقق مصلحتها حسب ما كانت تنتظر؛ فقتلوه صلباً, واعتبروا العهد الجديد بالنسبة إليهم غير موجود, ولازالوا ينتظرون (المسيا) وعلى مدى ألفي سنة ولم يصل مسيّهم. فلماذا لم نجعل نحن الآشوريين إيديولوجية التوراة في خبر كانت؟ وهل نحن يهود دينياً أم مسيحيون؟. وطالما نحن في هذه الببغائية والغباء والسذاجة, ألا يجب أن يُطبقوا إيديولوجيتهم علينا, ويُنفّذوا نبوءات أنبيائهم فينا, ويترنموا بقول (إشعيا):" أما أنتم كهنة الرُب تُدعون, خُدّام إلهنا تُسمّون, تأكلون ثروة الأُمم وعلى مجدهم تتآمرون "ـإص61/6ـ, وعلى أنغام (كنارة) مطربهم (داوود) في مزموره رقم/137/: "وأنت يا بابل يابهاء المدائن, طوبى لمن يُجازيك جزاؤك الذي جازيتنا به, طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة " يرقصون, ويهبون لاستغاثة (إرميا) وهو يُولول: " إسرائيل غنم مبددة, طاردته السباع؛ أكله (أشور), ثمّ أتىعليه هذا الآخر(نبوخذ) ملك بابل هرس عظامه "ـ إص5/17ـ, ويُجعلوا "نينوى خراباً يابسة كالقفر "حسب قول (صفنبا), إص2/13. كعادة أؤلئك الشُطار, عند قراءتهم في سفر(دانيال), يجدّون ويجتهدون في تفسيرهم؛ كيف مسخ يهوه (نبوخذ نصّر) حيواناً, حتى لاتكاد تسأل أحداًً عن تمثال الثورالمجنح(لاماسو)؛إلا ويقول لك: إنّه تمثال نبوخذ نصّرالذي تجبرعلى الله , فلم يتقدم من المائدة المقدسة بخشوع, بل مدّ رمحه فوضع الكاهن القربان المقدس على سنانه, وبذلك غضب يهوه من كبريائه ومسخه على تلك الصورة, هكذا متمادين في الشرح دون رفة عقل أو وجدان, متناسين جميعاً أنّ نبوخذ نصّر قد سبق قول السيد المسيح:" اصنعوا هذا لذكري "ـ لوقا:إص22/20ـ بأكثرمن /500/ عام . وكالعادة تمّ تنسيب (باعوثا دنيوايى) إلى سِفر(يونان) التوراتي, وبغض النظر إن كان فرض الصوم لذلك المطلب أم لغيره, وسواء إن كانت بدايته قبل يونان والميلاد أم بعده. باعـوثا د نينوايى باعوثا د نينوايى = صوم طلب النينويين : يخطأ كل من يعتقد,بأنّ (باعوثا د نينوايى) صوم مسيحي, لأنّ بفضل إقامتي في وسط أوربا لم أجد غير الآشوريين أو من كانوا ينتمون إلى كنيسة المشرق الآشورية قديماً, يعملون به فقط , فعموم مسيحيي العالم لا يعرفون وجوده في كنائسهم, ولم يسمع به إلا من قرأ سِفر يونان أو الدارسبين له. إنّ هذه الفريضة لا تخرج عن كونها عادة اجتماعية دينية ـ كما ذكرنا ـ كغيرها من العادات التي زُرعت في مجتمعنا, وليس المهم مدى صدقها أو كذبها بقدرما يجب أن تدوم, فلابد من أن تُشاع وتتراكم الأكاذيب؛ لتكريس الترهيب وفرض الهيمنة الكهنوتية بإسم المقدسات , وننوه هنا بأنّ السيد المسيح لم يفرض أي صوم أو صلاة , بل تركه اختياري باستعمال كلمة:" مَتَى صليت.. ومَتَى صمتم..." متى إص6/5, و6/16. والمتمعن في سِفريونان يجده يتضمّن الأفكار التالية بإيجاز: ـ تهرب يونان من تنفيذ أمر الرّب كمدخل مبرر للقصة. ـ عاصفة تُهدد سفينة يونان وتضحيته بإلقائه في البحر كسبب لحبك القصة. ـ ابتلاع الحوت ليونان وبقاؤه حياً, ومثابرته على الصلاة في جوف الحوت لخلاصه رغم محنته. ـ قذف الحوت ليونان بعد مدة غير محددة إلى بَرٍ غير معروف سوى بُمدة مسيرة ثلاثة أيام عن (نينوى), وصال وجال فيها منادياً بخرابها مسيرة يوم واحد. ـ والسير بالترجّل غيرالتنقل والركوب ـ. ــ غمّ يونان لأنّ الله لم يفِ بوعده ويُخرب نبنوى. ـ حوار يونان والنوتية, ويونان ونده الربّ حول ذبول يقطينته. ـ إفحام الرب الناكث لوعده ليونان الغاضب لعدم تحقيق نبوته , بسبب الرحمة والحكمة الإلهية الفائقة. ويُسدل الستارعلى المسرحية الحوارية ل(يونان ويهواه), التي هي كمثيلاتها؛ إما مسروقة أو مُدبلجة أو منتحلة ومنسوبة. من الملفت للنظر في ذاك الحوار, يجد ناقد المسرحية؛ جهل يونان بأبسط ما في الإيمان (فكرة الوجود الإلهي في كل زمان ومكان)؛ لذلك حاول الهرب من وجه الربّ, (إص1/2). ثمّ التناقض بين الآية/6/ والآية/ 8/ إص1, التي تنم عن جهل النوتية بأنّه نبي يستجيب الله له, وهم لايعرفونه البتة. رغم أنّ التناقضات أكثرمن المعقولات في السِفر؛ فإنّ صلاة يونان ليهواه في جوف الحوت قد أوصلته إلى بَرّ الأمان بسلام دون أن يتحول إلى مادة الكيلوس في بطن الحوت بفضل العصارات الجوفية الهاضمة, فقد غاب عن كاتب السِفر؛ إنّ انقطاع الأوكسجين عن الإنسان لدقائق معدودة محدودة يفطس! ولكن على ما يبدو أن يونان بفضل يهواه ذو نفس طويل بحيث مدّه بأُسطوانة أوكسجين تكفيه أياماً, بل شهورا دون أن يهلك.ً حيث يذهب الناقد الفرنسي (ل. تلكسيل) إلى القول:" بأنّ يونان قُذف على الشواطئ الإسبانية " ويرى بعض المجتهدين , بأنه قُذف على شواطئ الخليج العربي قرب البصرة,ـ علماً أن مشروع (فردناد دولسبس) لم يكن قد رأى النور بعد ـ. والأنكى من هذا وذاك, صوم البهائم التي وضِعت بمساواة البشر وأُخذت بجرائرها. وتصديق الملك الآشوري ـ وآشور في أوج عظمتها ـ لعدوٍ غريب غير معروف, دعوته مشبعة بالحقد والتهديد والوعيد. من كل هذا وغيره في القصة؛ نستنتج: إنّ سِفر يونان لايخرج عن فحوى التوراة ـ كما ذكرنا ـ كونه يتراوح ما بين الخرافة والأسطورة والحدث التاريخي, فالقصة بمجملها خرافة, تمّ سبكها بمبررات أسطورية وأحداث تاريخية واهية, أُسندت إلى القدسية ليتمّ تمريرها. فحُوت كاتب السِفر أُسطوري كحوت (هوميروس) الذي ابتلع بطله (هركولس) في رواياته المشهورة, وقضى في أحشائه ثلاثة أيام بلياليها,أما نينوى وأهلها وملكها الآشوري بحيواناتهم, فهي أحداث تاريخية. لكن العلمانيين الذين لا يؤمنون بالغيبيات يرون فيها شبئاً آخر, وللإحاطة بالموضوع؛ لابد من الأخذ ببعض الجوانب التاريخية. " إنّ هذه الأسطورة ظهرت تقريباً في عام/800/ق.م ",ماتييف في كتابه(حضارة ما بين النهرين العريقة) ص191, ويتطرق إلى تاريخ ورود فكرة الصوم في الألواح الحجرية قائلاً:" لابد من الإشارة إلى استعارة فكرة الصوم من الألواح الحجرية منذ حكم (تغلت بلاصّر = 745ـ 727) ق.م , ًص193, وفي ص190, ويقول:" يٌنسب ظهور أسطورة يونان في أحشاء الحوت إلى زمن حكم تغلت بلاصر, وأن يونان مكث في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها ". وقدّر الأستاذ (درمو أودا) في مقالته تلك " أيام يونان بعام/862/ق.م, أي أبان حكم آشور نصّربال وابنه شلمنصّر الثالث . ويعتبر بعض العلماء أنّ سِفر يونان ظهر في الفترة ما بين القرن السادس وبداية القرن الثاني قبل الميلاد. أما (كمال صليبي) في كتابه المذكوريقول:" كان يونان من أنبياء القرن التاسع أوالثامن قبل الميلاد, وأنّ سِفره تمّ وضعه في العراق قرابة/350 ـ 250/ ق.م. وترى البروفيسورة الروسية (ز. راكوزينا) الباحثة في هذه الأسطورة:" إنّ الحوت العجيب الذي ابتلع يونان , لم يكن إلا مدينة (نينوى) بحد ذاتها, وعادةُ إعلان صوم شعبي وتراتيل التوبة, وُجِدت لدى الآشوريين في السنوات العِجاف وأيام النكبات والمصائب الاجتماعية ". ماتييف ص192و194. بدأ سبي اليهود إلى بلاد آشورمنذ عهد الملك شلمنصّر الثالث (859ـ824) ق,م , كما نفهم من سِفر الملوك الثاني في التوراة حيث ورد فيه:" وصعد ملك آشورشلمنصرفي السنة التاسعة لحكم هوشع, وأخذ السامرة وسبى إسرائبل إلى آشور".إص15/29, وتكرر السبي الإسرائيلي في حكم كلٍ من الملك تغلت بلاصّر وسنحريب وأسرخدن وآشور بانيبال, ولكن مما نراه ذو علاقة بموضوعنا هذا هو ما تمّ في عهد الملك سنحريب(705ـ681) ق.م , حيث يقول السِفر المذكور:" في السنة الرابعة عشرة للملك (حزقيا), صعد سنحاريب ملك آشورعلى جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها ", ويردف:" لذلك هكذا قال الرّب لإشعيا عن ملك آشور, لايدخل هذه المدينة, في الطريق الذي أتى منه يرجع ..., وكان في تلك الليلة أن ملاك الرّب خرج, وضرب من جيش آشور/185/ ألفاً ...".إص19/31 و36, فانصرف سنحريب بجيشه وقفل راجعاً إلى نينوى . يقول المؤرخ (أدي شير) نقلاً عن (هيرودت):" ذهب سنحاريب ـ لمحاربة ترهاق ملك مصر وفي طريقه حاصر(أورشليم) ـ حتى انتهى إلى(بلوزا), وهناك ظهر الوباء في جيوشه ففتك بها فتكاً ذريعاً وأهلك أكثر من نصفها, واضطرّ سنحاريب أن يرجع إلى نينوى, وكان ذلك في نهاية سنة/689/ ق.م ". كتاب كلدو وآثور ج1 ص109,110. الكاتب (يكدان نيسان) يُرجع صومنا بهذه المناسبة إلى سِفريونان في التوراة, ولكنه يقول في مقالته تلك:" لم يكن هذا الصوم بهذا المضمون والمعنى موجوداً حتى عهد الجاثليق حزيقيال (570ـ581)م , حيث في عهده حدث وباء الطاعون المميت في المنطقة, وقد أُصيب به خلق كثير, فطلب أسقف (نينوى) آنذاك من رعيته أن يصوموا ثلاثة أيام للربّ, ليُبعد هذا الوباء عن البلاد , ومنذ ذلك الحين سُمّي ب(باعوثا د نينوايى), ويُضيف نقلاًعن مار(ديونيسيوس بن الصليبي/1171/م) في كتابه المجادلات, أنّ (ماروتا) مفريان تكريت, هو الذي أمر باستعمال صوم نينوى سنة/649/م, وأقرّها البطريرك مار إيشو عياب الثالث سنة/694/م, وإنّ صوم نينوى لم يكن موجوداً قبل أكثرمن/1500/ سنة من الآن". ويقول الأستاذ (درمو أودا) في مقالته اعتماداً على مصادركنسية:" إنّ هذا الصوم أدخله مار سيريشوع عام/596/م إلى الكنيسة, وذلك كمطلب من الله إثر مرض كان قد ألمّ ببعض أبناء شعبنا الآشوري, إذ لم يصمه أي آشوري لا قبل المسيحية ولا بعدها ب/596/ سنة ". ويُضيف:" وسِفرهذه المسرحية الهزلية, يُتلى في بداية كل قداس يوم الأربعاء ـ اليوم الثالث للباعوثا المذكورة ـ, والصلاة التي ألفها مار(أفرام) بخصوص صوم نينوى, وهو الذي لم يصمها أبداً, لأنه عاش قبل دخول هذا الصوم إلى الكنيسة ب/200/ سنة ". وقي المقابلة التلفزيونية المذكورة, قال الأب الفاضل معتمداً على كتاب التفاسيرالكنسي: "إنّ يونان النبي كان في نينوى عام/759/ ق.م, وإنّ النينويين صاموا أربعين يوماً من مناداة يونان, وإنّ تطرق السيد المسيح إلى آية يونان والنينويين المكتوبة في أسفاركتابهم, كان كمثال على إيمان الآشوريين بالله والتوبة إليه, عندما قال:" هذا الجيل شرير يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي , رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويُدينونه, لأنهم تابوا بمناداة يونان ", إص11/29ـ32. وأضاف :" إنّ بقاء يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام, رمز لبقاء المسيح ثلاثة أيام في القبر". نحن نعلم إنّ فكرة الإيمان السابق بإله يرى ولا يُرى عند الآشوريين, كانت قبل المسيح ويونان, وإلا فلماذا صاموا توبةً بمناداة يونان ؟ وإنّ إبراهيم المذكور(أبرم) الجد الأول للإسرائيليين, هناك كلّمه الله , ومن مدينة(أور) الشومرية خرج بالجمل بما حمل من التراث الرافدي. ويعترف الأب الفاضل:" إنّ الآشوريين لم يكونوا خطاة أشرار ".ـ إذن لماذا أُقحمت خرافة يونان في الكتاب المقدس, أو لم تُحذف منه بعد هذا الاكتشاف الخطير؟. وأثناء مداخلة إحدى الأخوات في تلك المقابلة قائلة:" حتى اليزيد يُمارسونه على حد قول أحد كبارهم , عندها تذكرت قول جدتي عندما كنت أُبدي تذمري من صومها وهي تقول:" حتى المسلمين يصومونها وبهائمَهم , فكيف تتذمر من صومها "ـ ظناً منها أنّ الإخوة اليزيد طائفة إسلامية,ـ في حين أنهم من أصول آشورية/بابلية عريقة, مع الإخوة الصابئة, ومازالوا يمارسون طقوساً آشوربة قديمة في معتقداتهم , وكفاهم فخراً كما قال (ثابت بن قرة الحراني): " أنهم لم يقعوا ـ مثلنا ـ في ضلال كهنة الناصرية " المتنصرين وخلفائهم . ورغم كل هذه التناقضات والفروقات في التواريخ والأحداث والترهات والأباطيل, ف(باعوثا د نينوايى) أمر واقع, سواء إن تمّ قبل الميلاد ب/800/ سنة أم بعده ب/600/ سنة, وأنا من الذين يصومونه ولازلت أصومه كأي آشوري, لأنه عادة خاصة بنا تُميّزُنا عن الآخرين كآشوريين. وصوم باعوثا د نينوايى على أشكال, فمنهم من كان يصوم ثلاثة أيام مستمرة عن المنتوجات الحيوانية, ومنهم من يصوم ثلاثة أيام عن الطعام والشراب من العشاء وحتى غذاء اليوم التالي بالإضافة إلى صومه عن الزفر فيها, ومنهم من كان يصومه ثلاثة أيام من العشاء حتى عشاء اليوم التالي بالإضافة إلى صومه عن الزفر فيها, وعشاء الصائم كان يبدأ بعد نهاية صلاة العصر اليومية, ومنهم من يصومه بانقطاع كلياً عن الطعام والشراب ثلاثة أيام وحتى نهاية قداس اليوم الثالث والأخير, وهذا الشكل يُدعى(مبيثتا), وكانت تتمّ لسنة واحدة أو لثلاث سنوات أو لسبع سنوات حسب نذر المؤمنة، ومنهم من لايذوق الزفر حتى فطوراليوم الرابع؛ لتكتمل الثلاثة أيام بلياليها، أما الإفطار بعد صوم اليوم الثالث (الأخير)، فكان يتمّ بأكلة تُدعى(بوخِن)، وتكون مؤلفة من سبعة أنواع من الحبوب وهي(قمح، شعير، رز، لوبياء ، فاصولياء ، حمص، عدس)، وتُجهز بتحميصها وطحنها في اليوم الأخير من الصوم ويُضاف إليها الملح بنسبة مقبولة, ثمّ تُخلط بماءٍ حارٍ حتى تتحول إلى عجينة, وتوضع في صينية وتُفتح حفرة صغيرة في وسطها, تُملأ بخليط من السمن والدبس المُذاب؛ لتنزل هنيئاً مريئاً على قلوب الفاطرين. إذاً هذه الأكلة خاصة باليوم الثالث من الصوم الذي يدعونه بيوم السكون(السكنا) وعندما كنا نسأل أجدادنا عن سبب تسميته, كانوا يُجيبوننا :" سمي بيوم السكنا," لأنّ فيه سكنت الأرض بعد زلزلتها ثلاثة أيام متتالية. ـ ولاأدري من أين أتت هذه الإشاعة ـ أو قد يكون طوفان طغى على المنطقة ثلاثة أيام وانحسر, بحيث لم تجد الحيوانات ما تقتات به, وهذا ما يُشير إليه, صوم البهائم التي لاتُحاسب حتى على شرها ! ولم تجد الطيور في اليوم الثالث من الحادثة إلا تلك الأنواع السبعة من الحبوب التي تُصنع منها أكلة(البوخِن), فالتقطت منها, هذه روايات متوارثة رواها لنا أجدادنا, وهذه نظرة أُخرى من تُراثنا, تُضاف إلى النظرات السابقة, وتُرافقها حكاية تقول:" كان العازبون والعازبات يَعقفون إبهامهم بحيث يتشكل خلفها إنخماص يملؤونه ب(البوخن) المملح ثلاث مرات ويسفونها في ليلة (السكنا), ليحلموا بمن سيتزوجون , فالفتى يطرق الباب فيُفتح له ويطلب كأس ماء , فتهرع به فتاة أحلامه التي سوف يتزوجها, أما الفتاة فكانت تحلم ، بشرب الماء في بيت عريس المستقبل ", والحلم وتفسيره أمر منطقي ومعقول, لأن لكل شاب أو شابة قادمين على الزواج له أمنياته في اختيار الحبيب ( فتى أو فتاة الأحلام) الذي سيكون شريك حياته, لتنطبع صورته تلك في اللاشعور, وتظهر في الحلم الذي لابد منه بفضل العطش الشديد الذي يٌحدثه (البوخن) المملح, سواء بالشكل المرجو أو بغيره . إذاً فلننظر إلى (باعوثا د نينوايى) من خلال كل ما سبق وبمحاولة من الربط والمقارنة والتحليل وتقريب الحادثة إلى المنطق المقبول ولذلك نُحلل وجهة نظرنا، على النحو التالي: 1ـ إنّ فكرة صوم الآشوريين وردت في الألواح الحجرية منذ عهد الملك (تغلت بلاصّر: 745ـ727 ق.م . 2ـ إنّ فكرة الوجود الإلهي من أرض آشور أشرقت, وانتحلها كتبة التوراة ونسّبوها إلى جدهم(أبرم = الأب العالي), كما انتحلوا عبارة (الآشوريون شعب الإله آشور), وحوّروها إلى (إسرائيل شعب الله المختار). 3ـ إنّ الآشوريين كانوا يؤمنون بإله ذو القدرة والسلطان, يَرى ولا يُرى سمّوه (آشور), أي إله البداية من لفظة(شورايا = البداية), ـ من كتابي (آشور, الأصل والأرض والجذور) بند الآشوريين ـ. 4ـ إنّ صوم (باعوثا د نينوايى) حقيقة واقعة, فرضه الملك (سنحريب) عام/689/ ق.م, على جميع الآشوريين درءاً لتفشي وباء الطاعون في جيشه ؛ نظراً لتطابق ما جاء في التوراة (م2, إص19/31و36), مع ماذكره أبو التاريخ (هيرودت) المؤرّخ اليوناني الذي زار بلاد ما بين النهرين في القرن الخامس قبل الميلاد . 5ـ الأرجح أن يكون (يونان) من بين السبي فيما بين النهرين، فلم يأتي إليها في جوف حوتٍ ولاعلى متن طائرة, ومات ودُفن فيها ولايزال مزاره في العراق ويُدعى المكان (تل النبى يونس), وأن يكون سِفره قد كُتب بعد حادثة الوباء؛ فانتُحلت ونُسبت إلى مناداته, لا بل قد يكون يونان شخصية وهمية كقصته, فنُسب إليه السِفر. 6ـ من واجب رجال الكنيسة أن يؤوِلوا هذا الصوم إلى ماورد في الكتاب المقدس الموحى به من الروح القدس كما يعتقدون, وإنه من العبث مطالبتهم بمحوه من كتابهم الديني أو القفزمن فوقه, وإن تضاربَ ذلك مع ما كتبه مؤرخو الكنيسة. 7ـ لاأعتقد أنّ صوم (باعوثا د نينوايى) كان أكثرمن ثلاثة أيام بلياليها. 8ـ مما لايُعقل أن يكون ملاك الرب قد نزل من عليائه. ليقترف تلك الجريمة النكراء وفي ليلة واحدة لسواد عيون حزقيا ونبيه إشعيا, إلا إذا كان يهواهم غير قُدسنا (الرب الإله) إله خير الذي لا ينقسم على ذاته, كما " لاينقسم الشرّ على ذاته ".ـ قول السيد المسيح, متى, إص 12/27ـ. 9ـ وقد تكون الرواية الشفاهية التي تناقلتها الأجيال الآشورية عن (السكنا) من طوفان أو زلزال أو اضطرابات داخلية, صَعُبت المعيشة في (نينوى) العظيمة ثلاثة أيام فتحول إلى صوم شعبي, استغله كتبة التوراة وحشروه بين أسفارهم بشكل غير منطقي. ـ مع العلم أن هذه النظرة ضعيفة ـ . إن دعوة (يونان) إلى التوبة, لم تكن بأسوأ من دعوات المبشرين الأوربيين الذين انتشروا في مناطق سكنى الآشوريين كذئاب جائعة في ثياب حملان يعيثون فيهم فتكاً وتمزيقاً بإسم التبشير بتعاليم الإنجيل بين معلمي البشارة الذين أوصلوها إلى أقاصي الشرق من المعمورة . ولا أرى ضربة إلهية حلّت بهذه الأمة المنكوبة (الأمة الآشورية) أسوأ بل أخطر من الضربة التي حلّت بها خلال القرن المنصرم وحتى أيامنا هذه من القتل والتشريد والضياع .
فينّا في1/2/2010/م . لازار لازار
|