|
كان ذلك عام/1980/م أثناء الزيارة الأولى لقداسة البطريرك (مار دنحا الرابع) لقرى الخابور في سوريا, وألقى كلمة في (تل تمر) من شرفة مقصف الخيمة المطلة على نهر الخابور في الجموع المحتشدة من آشوريي قرى الخابور وغيرهم. وقد مرّت خلال كلمته العبارة التالية: " لماذا تريدون أن تتركوا أرض آبائكم وأجدادكم , تتركون هذه الأرض الطيبة بأشجارها المثمرة وكرومها المعطاءة الجميلة ومياهها العذبة بأسماكها ", عندها همستُ في أذن صديقي الواقف بجانبي : لماذا لا يُطبق هذا الكلام على نفسه, ويبقى هنا قريباً من ملته ورعيته على كرسيه الرسولي في العراق او هنا في سورية؛ يتقوى بشعبه ويقوى شعبه به, بدلاً من أن يهرب هو وكبار كهنته إلى أمريكا بحثاً وراء الأمن والرفاهية والدولار, هل هم وأقرباؤهم يحبون الدولارات ونحن ننبذها ؟ فقال صديقي موبخاً لي: دعك من هذا الهراء الآن. وأردف قداسته : " سيمرّ أحد منا يعيش في جزيرة نائية يوماً ما بشخصين يتكلمان هذه اللغة ــ ويقصد اللغة الآشورية ــ ويقول :هكذا كان آبائي وأجدادي يتكلمون ". لم أكن حينها فكرتُ بمغادرة أرض مهدي , كما تناسيتُ وقتها, أنّ أمثال قداسته لايتكلمون في عظاتهم إلا مسوقين بروح القدس, وغفلت عن قول السيد المسيح :" اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم ". ولم أدرِ يومها, أن عائلتي ستكون بعد عشر سنوات من بين قوافل التشرد من أبناء شعبنا بحثاً عن الطمأنينة والسلام والرفاهية لأولادها, عندها كانت الطامة الكبرى, إذ عاينت وعانيت مأساة التشرّد ؛ لأسأل نفسي إلى أين سنصل كأفراد أو كجماعات ؟ ... أليس إلى الضياع, ومن ثمّ إلى الزوال والانتهاء ؟.. فمثلاً ولن أذهب بعيداً , أبن أختي في أمريكا يتكلم العربية والإنكليزية, وحفيدي هنا في النمسا يتكلم الآشورية والألمانية, فبأي لغة سيتفاهمون عندما نلتقي , أبلغة الصُمّ والبُكم ؟ وهم أصحاء سالمون أم بلغة الإشارات ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي !. فتتحوّلَ عبارة قداسنه إلى نبوة قابلة للتحقيق, مما يساعد الكثيرين منا الآشوريون سكنة المدن, حيث أصبحوا اليوم لا يفقهون من لغتهم الأم شيئاً, بل يتكلمون بالعربية في كل من سورية ولبنان والعراق , والتركية من كان في تركيا, والفارسية من كان في إيران, وناهيك الآن في المهاجر باختلاف لغاتها وأنواعها, التي تقطنها الطوائف الآشورية اليوم , هذا بالإضافة إلى ما هو دخيل على لغتنا سابقاً, علماً أن لغتنا الآشورية هي أمّ اللغات قديمها وحديثها. ومن الملاحظ أيضاً, إننا تركنا في إحدى قرانا أسماء (رومل وموسليني وهتلرونابليون) كما تركنا في أخرى أسماء (سالم وجاسم وقاسم) وهم آشوريون لنلتقي هنا في الغربة ب( جو ومكي وماكس وفوكس), وهم يلثغون (مبرطومى) بالآشورية , أليس كل هذا ضياعاً ؟. إذن فماهو الحلُّ ؟ ... برايي إن لم نستطع أن نضع حداً لمشكلة التشرد والاغتراب, فبجب علينا أن نحمي أولادنا من الضياع كي نُحافظ على وجودنا واستمراريتنا, وهذا " أقل الإيمان" كما يُقال, وذلك بالطرق التالية: 1ــ الانتساب إلى منظمات ومؤسسات وأندية اجتماعية وثقافية وخيرية آشورية. 2ــ يجب أن نتراصَّ إلى بعضنا البعض بإخلاص وبدافع المحبة ومن أجل رابطة الدم التي تجمعنا ففيها قوتنا, وأن نجتثّ كل زيوان من بيننا ومن نفوسنا أيضاً لكي ننظف تماماً. 3ــ يجب أن ننشدّ إلى كنيستنا بدافع الإيمان الحقيقي لابالجهل والتعصب الأعمى, فتقوى بنا ونتقوى بها ولا نترك مجالاً للعابثين مهما كانت مكانتهم ,فكما أن الأسقف برصوما النسطوري 453م قتل الآلاف من الآشوريين, كذلك قاد قداسة المرحوم مار شمعون (بنيامين) الشعب الآشوري خلال الحرب العالمية الأولى من أجل الوجود والبقاء, وأنا متفائل جداً بالمحاولات التي تُحاول الكنيسة تحقيقها اليوم بتوحيدها, هذا الإنجاز الكبير الذي إذما تحقق؛ فسوف تُهلل له الأرض والسماء . 4ــ حثّ أولادنا على تعلم لغتنا وربطهم بأمجادهم , وتعلم الحسن من عاداتنا كشعب له طابعه الخاص به. 5ــ التكلم في البيت وفيما بيننا بلغتنا ما أمكن , فلغات مهاجرنا سنتعلمها إن شئنا أم أبينا في المدرسة والعمل والمجتمع والشارع. 6ــ تسمية أولادنا بأسماء آشورية متميزة ولا دينية أيضاً؛ لأنّ أسماءنا تدلّ علينا. إلخ... وهذا هو أقل الإيمان لكي لا تتحقق تلك النبوة, ودرّنا لله.
فينّا في 12/3/10م. لازار لازار
|