من وحي زيارة نينوس آحو إلى أوروبا

 

أسد آشور في أوروبا

 

من وحي زيارة نينوس آحو 2009

 

shlimon_younan_.jpg

 

بقلم: شليمون يونان

 

أقام نادي ومركز بيت نهرين الثقافي الآشوري تحت رعاية إتحاد الأندية الآشورية في اوربة الوسطى ومركز سيفو لأبحاث مجازر 1915 ضد الآشوريين، أقام إحتفالاً تكريمياً للشاعر الآشوري الكبير الملفونو نينوس آحو وزوجته السيدة الفاضلة أوغاريت بقال القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في الربع الأخير من العام الماضي.

 

وقبل ساعات من بدء الاحتفال، اكتظت صالة المركز بجمع غفير من أبناء الشعب الآشوري بمختلف تياراته الإجتماعية و السياسية ومذاهبه الدينية. بعضهم من أصدقاء نينوس الذين قطعوا مسافة تزيد عن ألف كيلومتر من أجل أن يصافحوا نينوس آحو المبشر بالآشوري الجديد ( آتورايا خاتا ) ... الآشوري الذي مهما اشتدت الأهوال لا ينسى واجبه المقدس، ولا يتعب، ولا ينام. وبدوره كان نينوس قد قرر عبور المحيطات للقياهم مؤكداً لأطبائه أنه سيكون بخير وأن رؤية أبناء شعبه الآشوري في أوروبا وفي أي مكان من العالم إنما تفعل مفعول السحر في صحته فتحسنها وتزيدها قوة وديمومة.

 

لقد كان يوماً مدهشاً ... ورغم أننا توقعنا حضوراً كبيراً، إلا أننا لم نتوقع أن يكون عدد الذين لم تتسع لهم القاعة أكبر من الذين غصت بهم القاعة ! حضور كبير جداً قابله جهد جبار من مسؤولي المركز الثقافي الآشوري بكافة أعضائه، وخاصة اللجنة النسائية، والذين يستحقون كل الشكر والتقدير والإمتنان لما أبدوه من حفاوة وترحيب واعتناء بكل الحاضرين وفي مقدمتهم الزائر الكبير وزوجته الفاضلة.

 

 ابتدأ الحفل بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء الأمة الآشورية في كل زمان ومكان، ثم رحب السيد عزيز يوسف رئيس المجلس الإداري لمركز بيت نهرين الثقافي الآشوري في كوترسلوه بالضيف الكبير، وبكافة الحضور، عارضا تاريخ حياة نينوس آحو بالتفصيل، وبعد العرض فوجئ الجميع بصوت أمير الأغنية الآشورية الأستاذ نينب عبد الأحد لحدو وهو يغني، او الأفضل أن يقال وهو يرتل، من وراء المسرح أغنية / قصيدة نينوس آحو ( حبثو د حيطو ) التي تعتبر واحدة من أجمل قصائد الشعر الآشوري المعاصر.

 

وكم كانت دهشة نينوس كبيرة، وكم كانت المفاجأة بالنسبة له رائعة، وكذلك كانت للحضور جميعاً ... وذرفت العيون دموع الفرح وهي تشهد لقاء أمير الشعر الآشوري القومي المعاصر نينوس آحو مع أمير الأغنية الآشورية المعاصرة نينب عبدالأحد لحدو ... دموع قالتها بالصراخ الصامت في آذان الذين يسمعون والذين لا يريدون أن يسمعوا:نحن هنا ... وفي كل مكان. بدأنا نزرع الحقول، وكلنا ثقة بأن سنابل  حقولنا ستظهر بعد قليل ... وبأن مواسم حقولنا ستفيض وتغدق العطاء، وستشبع الزمن، وتشبع كل من وقف ولايزال واقفا على أرصفة التاريخ ينتظر لقمة الذل ترميها له كلاب مسعورة تنبح عندما لايجوز النبح، وتسكت وتخبئ أسنانها المهشمة عندما يجوز النبح "

 

أحسستُ بدمي يغلي في شراييني عندما رأيتُ دموع أسد آشور تسيل على الخدين اللذين ترك الدهر آثاره عليهما، ولكنه لم يستطع محو ومض العزيمة والإصرار المترقرق بين تقاطيعهما...

 

أحسست وكأن في أحشاء كل دمعة سقطت من عيني نينوس بركان صارخ يمد الحضور بقوة هائلة ... قوة الشعوب التي لا تقهر أبداً ...

 

أحسست وكأن كل نبرة من نبرات نينب عبد الأحد لحدو وهو يرتل ( حبثو دحيطو ) كانت تكتب على سماء المستقبل: " إننا قادمون، و لن نبقى على أرصفة الدهر منتظرين"

 

نعم... لقد زرعنا حبثو دحيطو، وها هي السنابل قد أينعت، وها هم أبناء رفاق الطريق ... أبناؤنا ... يحملون شعلة وجودنا التي تضيء دروبنا ؛ دروب النضال ودروب إثبات الوجود ... ها هي أجيالنا الصاعدة جالسة تصغي إلى نينوس ورفاق دربه يقصون حكايات البداية والإنطلاق حيث بدأ العمل الدؤوب من اجل اثبات وجود الأمة الآشورية والشعب اللآشوري ... هذا الوجود الذي قاوم بكل بسالة الوحوش الكاسرة والمسعورة التي ارادت افتراسه عبر التاريخ، ولا زالت تحاول إلى يومنا هذا ... ولكنها ستفشل كما فشلت دائماً ... وستزول هي ومن يطعمها ويربيها ، وسيبقى الآشوريون أحياء بحضارتهم العظيمة، وسيعودون عاجلاً أم آجلاً إلى مسرح التاريخ والحياة.

 

رأيت شبيبتنا والتي تحمل اسماء تاريخ هذه الأمة تنظر الى نينوس آحو وهو يرتل  قصائده بعيون مبهرة وابتساماتهم ترشف الحضور بفرح ونشوة وكأنهم يقولون لأستاذهم الكبير: " هل من مزيد أيها الملفان؟ نحن معك ونعدك بأن مشواركم الذي أكمل ما بدأه آشور يوسف، نعوم فائق، فريدون آتورايا، ويوحانون دولباني وغيرهم من ابناء الحركة الوطنية الآشورية الشاملة ... ذلك المشوار لن يتوقف أبداً وسوف نكمله نحن والآتون من بعدنا"

 

في هذه الأمسية التاريخية، قدم المركز الثقافي الآشوري بكوترسلوه جائزته السنوية ( جائزة ووسام آشور يوسف للنشطاء في مجال الكتابة والثقافة والأدب القومي ) للملفان نينوس آحو. وقد كان لي شرف تسليم الجائزة  لأستاذي القدير وصديقي الحميم وقدوتي في طريق العمل القومي نينوس آحو ... هذا الانسان الرائع الذي ربط ابناء الخابور بابناء زالين وكيركي شامو مع أبناء أورميا ونينوى ونوهدرا رغم كل المصاعب ورغم أنوف زارعي الفرقة بين أبناء الشعب الواحد ... هذا الانسان المناضل من اجل الوحدة الآشورية والمقاوم للمخربين وبائعي الذات من صناع التفرقة وأرباب العشائرية المنبوذة.

 

أمسية كوترسلوه ستظل في مخيلة كل من حضرها، فلقد كانت ينبوعاً إرتوت منه النفوس العطشى للماء العذب المنساب من بين الأصابع الكادحة والنقية، أصابع تلك الأيدي التي تعمل ليل نهار من أجل مستقبل أنصع لشعبنا المتشظي في المكان والزمان. ومئات  الإيميلات التي وصلتنا من الشبيبة تشكرنا على هذه الأمسية التاريخية طالبين المزيد المزيد من ترتيلات نينوس آحو، لهي خير دليل على ما أقول.

 

وهكذا مرت ساعات أمسية كوترسلوه بسرعة هائلة كسرعة القطارات الألمانية السريعة ICE والتي حملت ضيوفنا الكرام الى مدينة برلين عاصمة المانيا التاريخية، وبرلين هذه هي أول مدينة وطأتها قدما نينوس آحو في أوائل السبعينات قادما مع رفاقه من الوطن لإكمال مهمة وطنية مقدسة، ولوضع الأسس الأولى لبناء إتحاد يجمع مؤسسات شعبنا في المهجر، تلك الأسس التي بني عليها إتحاد الأندية الآشورية والذي ما هو إلا ثمرة من ثمار تلك المهمة. ولي الفخر ان اتحاد الأندية الآشورية في اوربا اليوم هو واحدة من المؤسسات التي تكن لنينوس آحو كل الاحترام والتقدير، وسيظل لنا ولكل ناشطي أنديتنا الفخر بنينوس آحو وبكل ماقدمه لهذا الشعب ولهذه الأمة.

 

في برلين كان هناك برنامج كامل وضعه نينوس وفرضه علينا فرضا، وأول بند فيه كان زيارة بقايا جدار برلين، والذي قال نينوس وهو ينظر إلى تلك البقايا: (( كما تحطم هذا الجدار الذي لم تشفع له كل القوى التي ساندته وعملت على إبقائه، هكذا سيتحطم الجدار البغيض الذي بناه الإنشقاقيون اللامبالون بين أبناء الشعب الآشوري الواحد ... إنها مسألة وقت ليس إلا شاء من شاء وأبى من أبى )) ... قالها وأشعة شمس الغد الأجمل تتراقص على ضفتي عينيه.

 

أما البند الثاني في البرنامج فكان زيارة متحف برلين، وخصوصاً جناحه الآشوري العظيم... وهناك أمضى نينوس آحو أسد آشور الوقت متنقلاً من بوابة عشتار إلى منصة حمورابي ... ومن عجائب قصور نمرود إلى تحف نينوى ... بينما أوغاريت تستغل كل ثانية لإلتقاط المزيد من الصور.

 

وفجأة وقف نينوس أمام تمثال لاماسو ... الثور الآشوري المجنح، وقرب فمه من أذن لاماسو هامساً له ... وأنا أرمقه بدهشة... دهشة شاركتني بها إحدى العاملات في المتحف والتي إنتبهت لتلك اللقطة الغريبة، وسألتني: (( ما الذي يجري هنا يا سيدي؟ كأني أرى الرجل يتحدث للثور المجنح !)) فأجبتها: (( في الحقيقة أنا مندهش مثلك ولا أعرف ماذا يجري )) فقالت: (( وهل تعرف هذا الرجل؟ هل تتحدث بلغته؟ )) أجبتها: (( نعم إنه صديقي ... ولغتنا واحدة )) فقالت: (( هل لك أن تسأله تفسيراً لما قام به؟ )) وعندها أخبرت نينوس بما تريده السيدة، فتنهد وقال: (( أخبرها أنني وأنا أمر بجانب تمثال الثور، سمعته يقول لي بصوت قادم من أعماق التاريخ: لماذا تركتموني هنا؟ ما الذي أفعله في هذا المكان الغريب بعيداً عن آشور موطني وموطن آبائي وأجدادي من قبلي؟  ... فوجدت نفسي أرد عليه وأهمس في أذنه: ما الذي تقوله أيها الحبيب العظيم ! نحن لم ننسك أبداً، ولن نفعل ، فأنت باق في الصدور والقلوب والأرواح والمهج ... وإن هي إلا مسألة وقت قبل أن تعود إلى قصورك معززاً مكرماً ومحمولاً على ذراعي الآشوري الجديد.))

 

البند الثالث في البرنامج كان جلسة ومحاضرة مع الشباب الآشوري في جامعة برلين، والتي في ختامها اصطحبنا نينوس إلى محطة القطار وهناك كان الوداع حاراً ... كان الوداع سرباً من القبلات الصادقة والعناقات الحارة ... حيث أخذ الشباب الآشوري الجامعي نينوس في أحضانهم وأخذهم في أحضان روحه الباسلة، وقال لهم مذكراً: لا تنسوا أني تحدثت إلى لاماسو بالنيابة عنكم، وأني وعدته وعداً مقدساً بإسمكم، فتابعوا المسيرة والعمل الدؤوب، ولتكن خطوتكم الأولى إكمال دراستكم الجامعية، وهي خطوة هامة وضرورية للإنتقال إلى الخطوة الثانية ألا وهي إستعادة أملاكنا المسروقة والمنهوبة.

 

أما البند الأكثر تأثيراً في قلبي، فكان البند الرابع ... بند عناقي لـ نينوس ومصافحتي لـ أوغاريت ... عناق يفجر بركان الذكريات، ويشعل مصابيح الآتي ... وكان سؤال نينوس الأخير لي: ما الذي يمكنني أن أفعله لأجلكم؟ فقلت له: أن تواصل مهمتك المقدسة بغرس نبتة الأمل في أرواح شبابنا وشاباتنا، وأن تواصل حربك البيضاء على مزوري التاريخ وزارعي بذور التفرقة ... وأن تعدني بأنك ستكون هنا العام القادم للمشاركة في الأسبوع الثقافي الآشوري العالمي الذي سينظمه إتحاد الأندية الآشورية في أوروبا الوسطى جنباً إلى جنب مع رفيق النضال الشاعر والأديب الآشوري الكبير آدم دانيال هومه.

 

وأنا أنهي هذه المقالة، رنّ هاتفي، وإذا بصوت نينوس يأتيني من خلف المحيطات، من كاليفورنيا، مبشراً بأن نتائج فحوصاته الطبية كانت جيدة جداً، وبأنه سيكون مع آدم ليضيئا معاً سماء مهرجاننا القادم. وما أجمله من خبر... خبر رائع لشعب رائع سيعد أبناؤه الأيام الباقية للقاء صرحين من صروح الأدب الآشوري المعاصر: نينوس آحو و آدم دانيال هومه.

 

شعبكما في أوروبا بانتظاركما ... وشموع الأمل جاهزة دائماً وأبداً.

 

إنقر هنا لمشاهدة الصور

 



شليمون يونان من أبناء الخابور المقيمين في أوروبا، ويرأس حالياً إتحاد الأندية الآشورية بألمانيا وأروبا الوسطى الذي يعتبر إحدى أصدق المؤسسات الآشورية التي تعمل ليل نهار من أجل وحدة الشعب الآشوري من مختلف المذاهب.

 




علق على هذا المقال / الخبر
تعليقات الزوار (1)
كتب التعليق: جوزيف كانون | بتاريخ: 28-02-2010
1. تحية لأبن الخابور البار
تحيةمن أعماق القلب الى ابن الخابور البار، الأستاذ شليمون يونان 
مازلت أحمل الذكريات التي جمعتنا مدن كوترسلوه العتيدة وعودك الرنان وباد اوينهاوزن الجميلة والتي سكنتها لأكثر من ثلاث سنوات قبل ان أغادر الى بلاد الثلج والبرد القارس.. 
مرت عشرون عاما منذ ذلك الحين كومضة عين لم أشعر بها، برغم قساوة الغربة ومآسيها ومشاكلها، مرت مسرعة ولم تترك لنا سوى الهموم والشعر الأشيب ومسؤوليات أكبر..  
قرأت تقريرك حول زيارة الملفونو نينوس بشغف زائد وتوقفت باستغراب حين كان يهمس نينوس في اذن التمثال، ترى ماذا يقول أسد آشور في اوروبا لتمثال لاماسو الحزين والقابع في برلين. 
وحين قرأت كلمات الملفونو نينوس الموجهة الى لاماسو،والذي اقتيد رغما عنه فاجبرته الظروف الى الرحيل من بلاده ليعيشفي حسرة في بلاد غريبة؟ نحن راحلون اليوم او غدا، أما هو فباق الى ابد الدهور. 
تنهدت بحسرة وحشرجة واغرورقت عيناي بالدموع. 
شكرا لك،  
تحياتي الخالصة لك.  
جوزيف

علق على هذا المقال / الخبر